السيد محمد بيرم الخامس التونسي

315

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

لهاته الصناعة أناس خاصون وفيهم من النسوة عاهرات وهن يسكن بديار في حارات مخصوصة . وما ذكر من الغناء ومثله الرقص خاص بالحاضرة وأكثر البلدان بخلاف الأعراب فعندهم ذلك غير معيب ، كما أن الأكل في الطريق أو في الأماكن المكشوفة للمارة معيب تسقط به العدالة ، وكذلك دخول القهاوي تتجنبه أصحاب المروءة حتى أن الأعيان ليس لهم محل اجتماع عمومي وغاية تفسحهم بالمشي في الطريق النزهة أو أماكنهم الخاصة مع أحبابهم ، نعم يتساهلون في دخول القهاوي في أماكن النزهة خارج الحاضرة ولكن أعيان الأعيان لا يدخلونها أيضا ، والتدخين بالتبغ لا زال معيبا عند ذوي المروءة وليس ذلك إلا مجرد اتباع للعادة وإلا فلا فرق بينه وبين النشوق مع كثرة استعمالهم لهذا جهرة ، وحكم

--> [ الأحزاب : 32 ] تحريم الاستماع إلى صوت المرأة ؟ . فالجواب : أن الأمر ليس كذلك فقد قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن 14 / 177 ما نصه : « أمرهن اللّه - أي نساء النبي - أن يكون قولهن جزلا وكلامهن فصلا ولا يكون على وجه يظهر في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللّين كما كانت الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال بترخيم الصوت ولينه مثل كلام المريبات والمومسات فنهاهن عن مثل هذا اه » . وقال أبو حيان في تفسيره البحر المحيط 7 / 229 ما نصه : فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ أي فلا تجبن بقولكن خاضعا أي لينا خنثا مثل كلام المريبات المومسات . فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أي ريبة وفجور . قال ابن عباس : « لا ترخصن بالقول » وقال الحسن : « لا تكلّمن بالرّفث » ا ه وقال الكلبي : « لا تكلمن بما يهوى المريب » وقال ابن زيد : « الخضوع بالقول ما يدخل في القلب الغزل » وقيل : « لا تلنّ للرجال القول » . أمر تعالى أن يكون الكلام خيرا لا على وجه يظهر في القلب علاقة ما يظهر عليه من اللين كما كان الحال عليه في نساء العرب من مكالمة الرجال برخيم الصوت ولينه مثل كلام المومسات ، فنهاهن عن ذلك . ا ه . فيعلم من ذلك أنه ليس المراد بهذه الآية أنه يحرم عليهن أن يتكلمن بحيث يسمع الرجال أصواتهن ، بل النهي عن أن يتكلمن بكلام رخيم يشبه كلام المريبات المومسات أي الزانيات . فقد صحّ عن عائشة رضي اللّه عنها أنها كانت تدرّس الرجال من وراء ستار . وفي تلخيص الحبير 3 / 140 ذكر ابن حجر ما نصه : « فإنه ثابت في الصحيح أنهم كانوا يسألون عائشة عن الأحكام والأحاديث مشافهة » . ا ه . وفي كتاب المستدرك للحاكم 4 / 11 عن الأحنف بن قيس قال : « سمعت خطبة أبي بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم والخلفاء هلم جرا إلى يومي هذا فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة رضي اللّه عنها » . ا ه . وفي التفسير الكبير للفخر الرازي 23 / 207 عند تفسير قوله تعالى : وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ [ النور : 31 ] ما نصه : « وفي صوتها وجهان أصحهما أنه ليس بعورة لأن نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم كنّ يروين الأخبار للرجال » . ا ه . ومنهن عائشة رضي اللّه عنها كانت تحدّث الرجال بحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتفتيهم حتى قال بعض من سمع حديثها : « إني سمعت صوت أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فلم أر أحسن من صوت عائشة » ولم تكن تغيّر صوتها . وكذلك كانت تحدث بعض النساء من آل صلاح الدين الأيوبي حديث رسول اللّه للرجال . والأفضل أن يعلم النساء في المكان الذي يوجد فيه من النساء من هنّ أهل للتعليم من حيث الكفاءة والثقة . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .